الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
134
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
ومنها تأكلون بعد ذكر كلمة " المنافع " ، وأقل ما يستنتج من الآية اعتبارها لأهمية الألبان أكثر بكثير من اللحوم . ولم يكتف بذكر منافعها المادية ، بل أشار إلى المنافع النفسية والمعنوية كذلك حين قال : ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون . " تريحون " : ( من مادة الإراحة ) بمعنى إرجاع الحيوانات عند الغروب إلى محل استراحتها ، ولهذا يطلق على ذلك المحل اسم ( المراح ) . و " تسرحون " : ( من مادة السروح ) بمعنى خروج الحيوانات صباحا إلى مراعيها . عبر القرآن بكلمة " جمال " عن تلك الحركة الجماعية للأنعام حين تسرع إلى مراعيها وتعود إلى مراحها ، لما لها من جمال ورونق خاص يغبط الإنسان ، والمعبر عن حقيقة راسخة في عمق المجتمع . فحركة الإبل إضافة إلى روعتها فإنها تطمئن المجتمع بأن ما تحتاجه من مستلزمات حياتك ها هو يسير بين عينيك ، فتمتع به وخذ منه ما تحتاجه ، ولا داعي لأن ترتبط بهذا أو ذاك فستضعف ، وكأنها تخاطبه : فأنت مكتف ذاتيا بواسطتي . ف " الجمال " جمال استغناء واكتفاء ذاتي ، وجمال إنتاج وتأمين متطلبات أمة كاملة ، وبعبارة أوضح : جمال الاستقلال الاقتصادي وقطع كل تبعية للغير ! والحقيقة التي يدركها القرويون وأبناء الريف أكثر من غيرهم ، هي ما تعطيه حركة تلك الأنعام من راحة نفسية للإنسان ، راحة الإحساس بعدم الحاجة والاستغناء ، راحة تأدية إحدى الوظائف الاجتماعية الهامة . ومن لطيف الإشارة أن بدأت الآية أعلاه بذكر عودة الأنعام إلى مراحها ، حيث الملاحظ عليها في هذه الحال أثديتها ملأى باللبن ، بطونها ممتلئة ، يشاهد على وجوهها علائم الرضا والارتياح ولا يرى فيها ذلك الحرص والولع والعجلة